إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
303
الإعتصام
فصل ومثال ما يقع في العقل أن الشريعة بينت أن حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله ولذلك قال تعالى « وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا » وقال تعالى « فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول » وقال « إن الحكم إلا لله » وأشباه ذلك من الآيات والأحاديث فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في التشريع وأنه محسن ومقبح فابتدعوا في دين الله ما ليس فيه ومن ذلك أن الخمر لما حرمت ونزل من القرآن في شأن من مات قبل التحريم وهو يشربها قوله تعالى « ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا » الآية تأولها قوم - فيما ذكر - على أن الخمر حلال وأنها داخلة تحت قوله « فيما طعموا » فذكر إسماعيل بن إسحاق عن علي رضي الله عنه قال شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان فقالوا هي لنا حلال وتأولوا هذه الآية « ليس على الذين آمنوا » الآية قال فكتب فيهم إلى عمر قال فكتب عمر إليه أن ابعث بهم إلى قبل أن يفسدوا من قبلك فلما قدموا إلى عمر استشار فيهم الناس فقالوا يا أمير المؤمنين نرى أنهم قد كذبوا على الله وشرعوا في دينه ما لم يأذن به فاضرب أعناقهم وعلى رضي الله عنه ساكت قال فما تقول يا أبا الحسن فقال أرى أن تستتيبهم فإن تابوا جلدتهم ثمانين لشربهم الخمر وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم فإنهم قد كذبوا على الله وشرعوا في دين الله ما لم يأذن به فاستتابهم فتابوا فضربهم ثمانين ثمانين فهؤلاء استحلوا بالتأويل ما حرم الله وبنص الكتاب وشهد فيهم علي رضي الله عنه وغيره من الصحابة بأنهم شرعوا في دين الله وهذه هي البدعة بعينها فهذا وجه وأيضا فإن بعض الفلاسفة الإسلاميين تأول فيها غير هذا وأنه إنما يشربها للنفع لا للهو وعاهد الله على ذلك فكأنها عندهم من الأدوية أو غذاء صالح يصلح لحفظ الصحة . ويحكى هذا العهد عن ابن سيناء .